مقالات

نجوتُ… وهذا دليل إدانتي …!!!

 

✒️ -راضي غربي العنزي – “كاتب سعودي”

“في اللقطة البطيئة من حياة المؤمن، يبدو كل شيء قاسياً حتى تمسه رحمة الله، فإذا بالقلب يهدأ كأن العناية الإلهية مرّت عليه فابتسم.”

العاقل لا يخاصم الحياة، ولا يصرخ في وجه العواصف، ولا يتعامل مع كل موقف كأنه معركة وجود، بل يمضي فيها ببساطة الواثق بربه، ومرونة من يعرف أن الأمر كله لله وحده، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. ليست البساطة هنا سذاجة، وليست المرونة ضعفاً، بل هي حكمة من أدرك أن الشدّ الدائم كسر، وأن التصلب أمام كل ريح إعلان هزيمة مبكر.
العاقل يلين كما يلين الغصن، لا ليفرّ، بل ليبقى. يخفف عن قلبه فيخفف الله عنه، يهوّن الموقف فيهوّن الله عليه، فإذا بالشدائد تتفتت، وإذا بالعقبات تتبدد، وإذا بالروح تسير مطمئنة لأنها تعلم أن الذي يدبّر الأمر هو الله، الرحيم بعباده، اللطيف بهم، الحكيم في تقديره، العدل في قضائه، الواحد الأحد الذي لا يظلم مثقال ذرة.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا ۝ إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا﴾ [الشرح: ٥-٦]. تكرار يسكب الطمأنينة سكباً، ويؤكد أن الضيق ليس قدراً أبدياً، بل مرحلة عابرة في طريق من أحسن الظن بربه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ…» رواه مسلم. خير في السراء، وخير في الضراء، لأن المدبّر واحد، ولأن القلب إذا تعلق بالله لم يعد يتشقق أمام كل حادثة، بل يتسع لها.
ماركوس أوريليوس قال إن الحياة ليست ما يحدث لنا بل كيف نفسر ما يحدث، وأرسطو تحدث عن فضيلة الاعتدال، لكن الإمام الشافعي لخص الأمر بعبارة تمشي على الأرض بثبات المؤمن: “ما حكَّ جلدَك مثلُ ظفرك، فتولَّ أنت جميعَ أمرك”، وكأنه يذكّرنا أن المسؤولية لا تعني القلق، وأن السعي لا يناقض التوكل، وأن الله أمر بالأخذ بالأسباب وهو القائل سبحانه إنه حسب من توكل عليه.
وفي سيرة الصحابة درس يختصر آلاف المحاضرات في المرونة والثقة. خذ قصة أم سلمة رضي الله عنها، حين فقدت زوجها أبا سلمة، وكان من أحب الناس إليها. مصيبة ثقيلة، ووحدة موحشة، وأبناء صغار، ومع ذلك قالت الدعاء الذي علمهم إياه النبي صلى الله عليه وسلم: “اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها”. لم يكن الدعاء هروباً من الألم، بل مواجهة له بإيمان. لم تقل لماذا أنا؟ بل قالت يا رب أنت الحكيم وأنا أمتك. فماذا كانت العاقبة؟ أن عوضها الله برسول الله صلى الله عليه وسلم زوجاً، فصارت أم المؤمنين. أي مرونة أعظم من قلب مكسور سلّم أمره لله فرفعه الله هذا الرفع العظيم؟
هنا تتجلى السخرية الراقية من تعقيدنا المبالغ فيه؛ نحن نظن أن الصراخ يحل الأزمات، وأن العبوس يسرّع الفرج، وأن تضخيم المشكلة دليل وعي، بينما الحقيقة أن كثيراً من أزماتنا تتغذى على خوفنا منها. نضخمها حتى تكبر، ونحملها حتى تثقل، وننسى أن الله أقرب إلينا من كل هم، وأعلم بكل وجع، وأقدر على كل حل.
العاقل لا ينكر الألم، لكنه لا يعبده. لا يتجاهل المشكلة، لكنه لا يمنحها حجماً أكبر من حجمه بالله. هو يعلم أن الله هو الرزاق، فإذا ضاق الرزق لم يضق صدره. يعلم أن الله هو الحفيظ، فإذا خاف اطمأن بذكره. يعلم أن الله هو الحكيم، فإذا تأخر الفرج قال لعل في التأخير خيراً لا أراه الآن.
قال ابن القيم إن في القلب شعثاً لا يلمه إلا الإقبال على الله، وهذه حقيقة نفسية وإيمانية في آن واحد. القلب المتعلق بالله لا يتفتت عند أول صدمة، لأنه مربوط بالقوي المتين. والقلب الذي يكثر من ذكر الله، ويعظم الله، وينزه الله عن الظلم والعبث، يعيش اتزاناً عجيباً؛ يتألم نعم، لكنه لا ينهار، يحزن نعم، لكنه لا يقنط، لأنه يعلم أن الله أرحم به من نفسه، وأعلم بمصلحته منه.
بساطة العاقل ليست سطحية، بل عمق هادئ. ومرونته ليست تنازلاً، بل ذكاء إيماني. هو يواجه، يعمل، يسعى، يخطط، لكنه في داخله مطمئن أن النتائج بيد الله، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وأن ما كتبه الله له سيأتيه ولو اجتمعت الدنيا على منعه.
افرح… لأن الفرج ليس وهماً. افرح… لأن الله حي قيوم، لا يعجزه شيء، ولا يغيب عنه شيء. افرح… لأن كل عسر في حياتك ليس إلا صفحة في كتاب أكبر عنوانه رحمة الله بك. خفف عن قلبك، يخفف الله عنك، لين موقفك، يلين الله لك الطريق، وامضِ مطمئناً، فمع كل عسر يسر، ومع كل ضيق فسحة، ومع كل انكسار رفعة لمن أحسن الظن بربه.

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

[email protected]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

Notice: ob_end_flush(): Failed to send buffer of zlib output compression (0) in /home/shula/public_html/wp-includes/functions.php on line 5471