العطاء… المؤامرة النبيلة …!!

✒️ -راضي غربي العنزي – كاتب سعودي
في لحظةٍ لا يراها الناس… يمتحن الله القلوب بالصبر، ثم يفتح لبعضها أبواب العطاء، لأن رحمته أدرى بمن يحمل النور ولا يتباهى به.
العطاء سرّ عجيب… لا يُفتح بيدٍ ممدودة، بل بقلبٍ ممتحَن. وكثيرون يظنون أن أبوابه تُفتح بالطلب، أو بالضجيج، أو بكثرة التمني، لكن الحقيقة التي تُدهش العاقل أن بعض الهبات لا تسكن إلا أرواحًا اصطفاها الله بعد طول صبرٍ خفيّ، صبرٍ لا يراه الناس ولا تكتبه الصحف ولا تُصفق له المجالس. إن الله جلّ جلاله يختبر القلوب في صمت، فإذا صبرت ولم تتعالى، منحها من خزائنه ما يعجز اللسان عن وصفه.
ولعل العجيب في هذه الحياة أن أكثر الناس يركضون خلف العطاء كما يركض طفل خلف طائر، يظن أنه إن أسرع أكثر أمسكه، بينما الطائر في الحقيقة لا يقترب إلا من يدٍ هادئة مطمئنة. هكذا هو العطاء؛ يفرّ من القلوب المتعجلة، ويستقر في القلوب التي عرفت الله حق المعرفة، فتواضعت له وصبرت على أقداره وأحسنت الظن بكرمه.
يقول الله سبحانه في كتابه العظيم:
﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣].
آية قصيرة في حروفها، عظيمة في معناها؛ لأن معية الله لعبده ليست كلمة تُقال، بل كرامة تتجلى آثارها في حياة الإنسان، فتفتح له أبوابًا من الخير لم يكن يتخيلها.
وقد قال رسول الله ﷺ في الحديث العظيم الذي رواه مسلم:
«وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ».
وكأن النبي ﷺ يلخص سرّ الحياة كلها في كلمة واحدة: الصبر. فالصبر ليس مجرد احتمال للألم، بل هو الطريق الذي يهيئ القلب ليحمل عطايا الله دون أن يفسد بها.
ومن الطريف المؤلم في آنٍ واحد أن بعض الناس يريد العطاء دون أن يتحمل ثمنه، كمن يريد حصاد القمح دون أن يصبر على حراثة الأرض. وهذا ما جعل الفيلسوف الصيني الشهير كونفوشيوس يقول كلمته المتداولة: “الجوهرة لا تُصقل إلا بالاحتكاك، والإنسان لا يكتمل إلا بالتجارب”. ويقول الحكيم سقراط: “الحكمة تبدأ حين ندرك كم نحن بحاجة إلى الصبر”. أما الأديب الروسي ليو تولستوي فكان يقول: “أقوى المحاربين هما الصبر والوقت”.
غير أن التاريخ الإسلامي قدّم لنا مشاهد أعمق من كل الأقوال. ففي زمن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان رجل من المسلمين يعمل حمّالاً في السوق، يحمل الأثقال على ظهره طوال النهار. وكان الناس يرونه بسيطًا فقيرًا، لا يكاد يُذكر في المجالس. لكنه كان إذا جنّ الليل وقف يصلي ويبكي بين يدي الله، يسأله الرضا لا المال، ويسأله القرب لا الشهرة.
وذات ليلة رآه عمر رضي الله عنه في المسجد، فسمعه يدعو الله بإخلاص عجيب، فقال عمر لمن معه: “إن في هذا الرجل سرًا لا يعرفه الناس”. ولم تمض سنوات حتى أصبح ذلك الرجل من أهل العلم والفضل، يقصده الناس للسؤال والمشورة. لم يتغير قلبه، ولم يتبدل تواضعه، وكأن الله أراد أن يعلّم الناس درسًا بسيطًا: من صبر لله، أعطاه الله أكثر مما طلب.
وفي زماننا القريب تتكرر الحكاية نفسها، ولكن بأشكال مختلفة. قصة شابٍ بسيطٍ كان يعمل في متجر صغير، يكدّ طوال اليوم ليعين أسرته. لم يكن يملك مالًا كثيرًا، لكنه كان يملك قلبًا واسعًا؛ يبتسم للناس، ويقضي حوائجهم، ويواسي المكسورين. كان بعضهم يسخر من طيبته ويقول: “لن تصل إلى شيء بهذا القلب اللين”.
لكن الأعوام دارت دورتها، فإذا بذلك الشاب يصبح صاحب مشروع ناجح، يفتح أبواب العمل لعشرات الشباب. وعندما سأله أحدهم عن سر نجاحه، قال ببساطة: “كنت أعتقد أنني أخدم الناس، ثم اكتشفت أن الله كان يفتح لي أبوابًا لم أكن أراها”.
هنا تتجلى الحكمة التي أدركها الحكماء منذ قرون: أن العطاء الحقيقي ليس ما تملكه اليد، بل ما يحمله القلب. فاليد قد تعطي مرة، لكن القلب المعمور بمحبة الله يعطي العمر كله دون أن يشعر بالتعب.
والعجيب أن الله سبحانه لا يضيع أثر الخير مهما صغر، فهو جلّ جلاله الكريم الذي وسعت رحمته كل شيء، وهو اللطيف الذي يعلم خفايا النفوس. وكلما امتلأ القلب بتعظيم الله وتوحيده وتنزيهه، صار أكثر استعدادًا لاستقبال عطاياه. فالعطاء ليس جائزة صدفة، بل هو ثمرة قلب عرف الله فأحبه، وصبر ابتغاء مرضاته، فأكرمه الله بفضله.
لهذا لا تتعجل الهبات، ولا تظن أن الطريق الطويل علامة حرمان. ربما كان الله يهيئ قلبك ليحمل ما لو أعطاك إياه مبكرًا لأفسدك. وربما كان يؤدب روحك بالصبر حتى تصبح جديرًا بما سيضعه بين يديك.
إن سر العطاء في النهاية ليس لغزًا غامضًا كما يتخيل البعض؛ إنه طريق واضح يبدأ بالصبر، ويزهر بالتوكل، وينتهي بفضل الله الذي لا يحدّه وصف. ومن عرف الله حق المعرفة، أدرك أن أعظم العطايا ليست ما نملكه… بل ما يجعل الله قلوبنا قادرة على حمله دون أن تتكبر أو تنسى المنعم.
وهكذا يبقى العطاء سرًا، لكنه سرٌّ كريم؛ لا يُفتح إلا لمن طرق بابه بالصبر، وانتظر مفاتيحه بثقةٍ في كرم الله الذي لا ينفد.
الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438




