حين يترجل الحكماء… عبدالرحمن بن فهد السويس سيرة رجلٍ عاش للمعرفة ورحل بهدوء الكبار

في لحظات الفقد تتزاحم الكلمات، وتضيق العبارات عن حمل ما في القلب من حزنٍ وأسى، خاصة حين يرحل رجلٌ من طرازٍ نادر، ترك في الذاكرة أثراً لا يُمحى، وفي المجالس حضوراً لا يغيب؛ هكذا كان رحيل عبدالرحمن بن فهد السويس (أبو ياسر)، الذي انتقل إلى رحمة الله يوم السبت 25 رمضان 1447هـ، وصُلّي عليه عصر يوم الأحد 26 رمضان في جامع البواردي بحي العزيزية في مدينة الرياض، وسط حضورٍ كبير من المصلين الذين جاءوا يودعون رجلاً أحبوه وعرفوا فيه الخلق الكريم والعقل الراجح.
لقد كان الراحل أبو ياسر قريباً جداً من والدي – رحمه الله – الذي انتقل إلى رحمة الله عام 1431هـ، وقد جمعتهما علاقة تقديرٍ متبادل، وحوارٍ ثري لا يخلو من الفكرة الناضجة والرأي المتزن؛ وكان ينقل لنا وأخوتي اعجابه بفكره الواسع، وثقافته العميقة، وحضوره الذهني اللافت.
عرفت في عبدالرحمن السويس رجلاً سبق عصره في كثير من ملامح تفكيره؛ كان صاحب نظرةٍ مستقبلية وكأنه يقرأ الزمن قبل أن يقع، ينظر إلى الأمور بعين المتأمل الواعي، ويزنها بعقل الاقتصادي المتبصر؛ وقد كان من أوائل أبناء وادي الدواسر الذين ابتعثتهم الدولة – أيّدها الله – للدراسة في الخارج، حيث أكمل دراسته في فرنسا، فعاد محمّلاً بالعلم والخبرة، ليكون من أصحاب الفكر الاقتصادي المتطور، ومن الشخصيات التي تجمع بين المعرفة والتجربة.
ومن الصفات التي لا تُنسى فيه شغفه المبكر بالتوثيق والتصوير؛ فقد كان حريصاً منذ شبابه على تسجيل اللحظات والاحتفاظ بذاكرة المكان والزمان، وكأنما كان يدرك أن الأيام تمضي سريعاً، وأن الصور تحفظ للتاريخ ما قد يضيع في زحام السنين.
أما مجلسه، فكان مدرسةً في الحوار والإنصات؛ لا تمل من حديثه إذا تكلم، ولا تشعر بالوقت وهو يسرد أفكاره أو يستعرض تجاربه؛ كان يستمع للصغير قبل الكبير، ينصت باهتمام، ويمنح كل متحدث شعوراً بالتقدير؛ وتلك خصلة نادرة لا يجيدها إلا أصحاب النفوس الواسعة.
كان – رحمه الله – صاحب ثقافةٍ عالية، يكره الغيبة والنميمة، ولا يرضى بالخطأ إذا ظهر، ويحرص على أن يكون الحديث في مجلسه نافعاً أو جميلاً؛ ولهذا ظل بيته في الرياض مفتوحاً منذ أن انتقل إليها قبل عقود طويلة، يستقبل الأقارب والجماعة وأصدقاء العمر، في مجلسٍ عامرٍ بالمودة والكرم والحديث المفيد.
وإن من أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله هذا الأثر الطيب في النفوس، والذكر الحسن في المجالس؛ الذي تركه أبا ياسر فهكذا يكون الرجال الذين يتركون بصمتهم في الحياة؛ يغيب الجسد، لكن الأثر يبقى حيّاً في الذاكرة؛ وإن عزاءنا اليوم لا يقتصر على أسرة آل سويس الكريمة في وادي الدواسر والرياض، بل هو عزاء لكل من عرف هذا الرجل النبيل، وجلس في مجلسه، أو استمع إلى حديثه، أو لمس فيه خُلق الإنسان الصادق.
رحم الله عبدالرحمن بن فهد السويس رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدّم من خيرٍ في ميزان حسناته، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقّه من الذنوب والخطايا كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس، واجعل قبره
روضةً من رياض الجنة، واجمعه بمن أحب في دار كرامتك.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
مبارك بن عوض الدوسري
@mawdd3




