مقالات

حتى تظن… أنك عبده الوحيد …!!!

 

✒️ -راضي غربي العنزي – كاتب سعودي

من شدّة لُطف الله بعباده، قد يظنّ أحدهم أن الكون كلّه دُبِّر لأجل قلبه وحده.

في لحظاتٍ خفيّة من العمر، حين تتكاثر النِّعم حولك بهدوء، وحين تنفرج عقدة بعد عقدة دون صخبٍ أو استعراض، يتسلّل إلى القلب شعورٌ عجيب… شعور يشبه الدهشة الطفولية الأولى. عندها قد يظنّ المرء – من فرط ما يغمره من لطفٍ وإحسان – أنه العبد الوحيد الذي يعتني الله بشأنه في هذا الكون الفسيح. لا لأن قلبه غافل، بل لأن اللطف الإلهي حين يتجلّى يربك الحسابات كلها، ويجعل الإنسان يقف صامتًا أمام سيل الرحمة التي لا تُحدّ.
وهذا الشعور ليس غرورًا كما قد يظن بعض المتعجّلين، بل هو دهشة العبد حين يرى كيف تتوالى عليه النِّعم من حيث لا يحتسب، فيتذكّر قول الله تعالى:
﴿وَإِن تَعُدّوا نِعمَتَ اللَّهِ لا تُحصوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفورٌ رَحيمٌ﴾.
آية قصيرة في ألفاظها، لكنها في معناها كأنها بحر لا شاطئ له، لأن الإنسان مهما بالغ في العدّ لن يبلغ طرف الفيض الذي يغمر حياته.
والحقيقة الساخرة – الجميلة في آنٍ واحد – أن كل عبدٍ من عباد الله يشعر بهذا الشعور نفسه. كل واحدٍ منا يظن أحيانًا أن الله لطف به بطريقةٍ لا تتكرّر مع غيره، وأن عنايته به تحمل شيئًا من الخصوصية، ولو جلس الناس في مجلس واحد وسرد كل واحدٍ حكايات لطف الله به، لظنّ السامع أن العناية الإلهية انصبت على الجميع دفعة واحدة… وكأن كل قلبٍ كان محور الرحمة.
وهنا تكمن المفارقة المدهشة:
الله يعتني بالجميع، ومع ذلك يشعر كل واحدٍ منهم أن اللطف خُصَّ به وحده.
وقد لخّص النبي ﷺ هذا المعنى حين قال في الحديث الصحيح:
«إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى العُنْفِ».
فالرفق الإلهي لا يأتي صاخبًا، بل يتسلّل إلى حياتك كما تتسلّل خيوط الفجر، هادئًا… لكنه يغيّر كل شيء.
ويحكي التاريخ الإسلامي قصةً بديعة عن هذا المعنى، تُروى عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله. فقد دخل عليه رجل يشكو ضيق حاله وكثرة همومه، فاستمع إليه عمر طويلًا، ثم قال له برفق: “يا هذا، هل أصبحت اليوم معافى في بدنك؟” قال الرجل: نعم. قال: “هل عندك قوت يومك؟” قال: نعم. قال: “وهل تأمن على نفسك؟” قال: نعم. فابتسم عمر وقال كلمته التي بقيت في كتب الحكم: “لقد حِزتَ الدنيا بحذافيرها وأنت لا تشعر”.
تلك اللحظة وحدها كفيلة بأن تجعل الإنسان يضع يده على رأسه متعجبًا. كم من النِّعم تحيط بنا حتى صارت مألوفة إلى حدّ أننا لا نراها! العافية تمرّ بنا كأنها شيء عادي، والطمأنينة نسكنها كأنها حقّ مكتسب، مع أنها في الحقيقة عطايا متجددة من الله.
ولذلك كان الحكماء عبر العصور يلمحون هذه الحقيقة بطريقتهم الخاصة. فالفيلسوف ابن حزم الأندلسي قال عبارة تتردّد كثيرًا في كتب الحكمة: “من أراد السعادة فليطلبها في طاعة الله، فإنها هناك لا تُخطئ طريقها”. بينما كان ابن تيمية يقول: “ما يفعل أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري”. كلمات تبدو بسيطة، لكنها تكشف أن القلب إذا أدرك عناية الله به صار أغنى من كل خزائن الأرض.
وحتى في زماننا المعاصر، لا تزال القصص تتكرّر بالطريقة نفسها. يُروى أن رجلًا بسيطًا كان يعمل سائقًا لسنوات طويلة، ثم تعرّض لحادث كاد يفقد فيه حياته. وبعد أن نجا وقف أمام أصدقائه يضحك قائلاً: “كنت أظن أنني مجرد رقم في هذا العالم، لكنني اكتشفت أن الله لم ينسَني لحظة”. قالها بصدقٍ جعل الحاضرين يبتسمون، لأن كل واحد منهم تذكّر حادثة في حياته شعر فيها بالشعور ذاته.
وهنا تتجلّى فلسفة الإيمان في أبهى صورها:
أن الله يُدبّر حياة ملايين البشر، ومع ذلك يلمس كل قلبٍ لطفه وكأنه الرسالة الوحيدة المرسلة إليه.
هذا المعنى يفسّر تلك الطمأنينة العجيبة التي يشعر بها المؤمن حتى في اللحظات العصيبة. لأنه يعلم أن الذي خلقه لم يتركه عبثًا، وأن كل نعمة صغيرة تمرّ به هي إشارة لطيفة من الله تقول له: ما زلتُ أرعاك.
وقد قال الإمام الشافعي قولته الشهيرة التي يتداولها الناس حتى اليوم: “ما أفلح أحد إلا بتقوى الله”. ليست التقوى هنا شعورًا ثقيلًا كما يظن البعض، بل هي حالة وعيٍ دافئة تجعل الإنسان يرى العناية الإلهية في تفاصيل حياته اليومية.
ولعل أعجب ما في الأمر أن الله – جلّ جلاله – يعطي عباده أكثر مما يتوقّعون، ثم يترك لهم متعة الاكتشاف. يكتشفون النعمة بعد حين، ويكتشفون اللطف بعد سنوات، ويكتشفون أن ما ظنّوه صدفة كان في الحقيقة رحمةً خفيّة.
وهكذا يمضي الإنسان في حياته بين دهشتين: دهشة حين تأتيه النعمة، ودهشة أكبر حين يكتشف أنها كانت تحيط به منذ البداية.
فسبحان الله الواحد الأحد، الذي وسعت رحمته الخلق كلهم، ومع ذلك يظن كل عبدٍ من شدّة اللطف أنه المقصود بالعناية أولًا. ذلك ليس غرورًا… بل شهادة صامتة على عظمة الإحسان الإلهي الذي لا ينفد.
وحين يدرك القلب هذه الحقيقة، يبتسم للحياة بسكينة، ويقول في سرّه:
يا رب، ما أكرمك… كأنني عبدك الوحيد، مع أنك ربّ العالمين.

[email protected]

الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى