مقالات

حسن الظن …في متحف الحياة …!!

 

✒️ – راضي غربي العنزي – كاتب سعودي

في المشهد الهادئ من حياة الإنسان، حين يختار القلب أن يثق بعباد الله، يكتشف أن الله أرحم بخلقه من ظنونهم، وأن القلوب التي لا تحمل الريبة تمشي في الحياة محفوظة بلطف الله ورعايته.
في زمنٍ صار الشك فيه أسرع من التحية، وأخف من كلمة “سلام عليكم”، يبدو حسن الظن بالناس وكأنه خُلق قديم من زمنٍ آخر، يراه البعض في كتب الأخلاق ثم يطوي الصفحة ويمضي.
لكن الحقيقة التي لا يلتفت إليها كثيرون أن حسن الظن ليس سذاجة كما يظنه المتعبون بالشك، ولا غفلة كما يتوهم المتشائمون… بل هو رفعة قلب، وأدب عظيم مع الله قبل أن يكون أدباً مع الناس.
فحين تحسن الظن بخلق الله، فأنت في الحقيقة تقول في أعماقك: إن الذي خلق هؤلاء، وربّاهم، وستَر عيوبهم، وأمهلهم… ربّ كريم لا يحب لعباده أن يتحولوا إلى قضاةٍ يتفحصون النيات ويفتشون في السرائر.
ولذلك جاء التوجيه الإلهي واضحاً يهذب القلب قبل السلوك، قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾
إنها آية قصيرة، لكنها ترسم سياسة كاملة للقلب المؤمن. فالله سبحانه ينزّه قلوب عباده عن أن تكون محاكم خفية تُدين الناس بغير بينة.
وجاء صوت النبي ﷺ ليؤكد هذه الحقيقة حين قال:
«إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ»
رواه البخاري ومسلم.
فكم علاقةٍ جميلةٍ أفسدها ظن سيئ، وكم قلباً صافياً تعكر لأن أحدهم قرر أن يفسر الصمت إهانة، والتأخر تجاهلاً، والشرود استهانة!
والطريف أن الإنسان حين يسيء الظن بالناس يتصرف كأنه يملك مفاتيح قلوبهم، وكأنه يعلم ما تخفي صدورهم. ولو جلس مع نفسه لحظة لابتسم من هذا الوهم العجيب.
فالإنسان بالكاد يعرف ما في قلبه هو، فكيف صار فجأة خبيراً في خفايا البشر جميعاً؟
ولهذا قال الفيلسوف الفرنسي فولتير عبارة تختصر كثيراً من مشكلات البشر:
“سوء الفهم هو أكثر ما يفسد العلاقات بين الناس”.
لكن الحكماء المسلمين أدركوا هذه الحقيقة منذ قرون طويلة. فقد كان من أقوال بعض السلف التي تناقلها العلماء:
“التمس لأخيك عذراً، فإن لم تجد له عذراً فقل: لعل له عذراً لا أعلمه”.
وهذا الأثر حكمة عظيمة جرت على ألسنة أهل العلم والصلاح، تلخص خُلق القلب الكبير.
فالقلب الصغير يفسر كل شيء ضدك…
أما القلب الكبير فيبحث عن العذر حتى يجده.
وقد حفظ التاريخ موقفاً رائعاً من حياة أحد كبار العلماء والزهاد، وهو عبد الله بن المبارك رحمه الله.
يروى أن رجلاً تكلم عليه بكلامٍ قاسٍ في مجلسٍ عام، فالتفت ابن المبارك إلى من حوله وقال بهدوء:
“لعله غلبه غضب لا يملكه”.
لم يقل إنه سيئ الخلق.
ولم يقل إنه تعمد الإساءة.
بل اختار تفسيراً يخفف عن أخيه، وكأنه يطفئ نار الموقف بكلمة رحيمة.
وبعد أيام جاء الرجل معتذراً وهو يقول:
“والله ما وجدت أكرم منك، لقد أحسنت بي الظن وأنا لم أستحقه”.
وهنا يتجلى السر العجيب في حسن الظن…
إنه لا يحفظ العلاقات فقط، بل يعالج القلوب أيضاً.
وفي زمننا المعاصر حدثت قصة قريبة من هذا المعنى. في إحدى الشركات تأخر موظف عن تسليم عمله أياماً، فبدأ بعض الزملاء يتهامسون: كسل… إهمال… لا مبالاة.
لكن المدير قال بهدوء:
“دعونا نسأله قبل أن نحكم عليه”.
وحين حضر الرجل تبين أنه كان يقضي لياليه في المستشفى بجوار أمه المريضة، ثم يأتي إلى العمل متعباً حتى لا يقصر في مسؤوليته.
في تلك اللحظة خيم صمت خفيف في المكان…
الصمت الذي يولد حين يكتشف الإنسان أن حسن الظن كان أجمل من ظنه كله.
ومن أجمل ما قيل في هذا الباب ما ذكره الفيلسوف الروماني ماركوس أوريليوس حين قال:
“افترض الخير في الناس ما استطعت، فذلك أرحم لقلبك”.
لكن المؤمن يدرك أمراً أعمق من ذلك كله.
فهو يعلم أن الله سبحانه يحب القلوب السليمة التي لا تمتلئ بالريبة، ويعلم أن الله يتولى عباده بلطفه، ويحفظهم برحمته، ويرشدهم بحكمته، وأن القلوب التي تسلم من الأذى الداخلي تعيش في سكينةٍ عجيبة.
وحين يتأمل الإنسان حياته سيكتشف حقيقة طريفة:
معظم ما ظنه شراً… كان سوء فهم.
ومعظم ما خافه… لم يحدث أصلاً.
إن حسن الظن ليس غباءً… بل شجاعة قلب.
أن تختار الصفاء في عالمٍ يتقن الشك.
وفي النهاية سيكتشف الإنسان أن أعظم راحة في الحياة ليست في اكتشاف عيوب الناس، بل في راحة القلب منهم.
فالقلب الذي يتعب في تفتيش النيات يعيش قلقاً دائماً.
أما القلب الذي يترك سرائر الناس لله فيمشي في الحياة خفيفاً مطمئناً.
وهنا يفهم المرء معنى تلك الحكمة البليغة التي تتردد في كتب الزهد:
“طوبى لمن شُغل بعيبه عن عيوب الناس”.
فالحياة أقصر من أن نقضيها في مراقبة نيات البشر، وأجمل من أن نلوثها بسوء الظن.
وما أجمل أن يمضي الإنسان بقلبٍ نظيف، يبتسم للناس، ويترك سرائرهم لله، ويعلم أن الله الكريم أعلم بعباده، وأحكم في تدبيرهم، وأرحم بهم من ظنون البشر كلها.
وفي نهاية المشهد…
لن يتذكر الناس كم مرة شككت فيهم،
لكنهم سيتذكرون دائماً أنك كنت الرجل الذي أحسن الظن.

● الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

[email protected]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى