مقالات

الحديث الأخير …!

"الله لا يترك عباده في التيه، بل يربّيهم على الفهم، ويحنو عليهم حتى وهم يتعلّمون متى يصمتون."

 

✒️ راضي غربي العنزي – “كاتب سعودي”

كنتُ أكره أن تبقى الأمور عالقة دون مخرج، وأظن أن كل خلاف يمكن إصلاحه، وكل سوء فهم يمكن تهذيبه بالكلام، وكل علاقة يمكن إنقاذها بمحاولة إضافية. كنت أعتقد أن الحوار فضيلة مطلقة، وأن الصمت تقصير، حتى أدركت – بفضل الله أولًا ثم قسوة التجربة – أن بعض الأشياء لا تُصلح، بل تُترك، وأن بعض العلاقات لا تُنقذ، بل تُغادر، وأن بعض الحوارات ليست علاجًا بل نزفًا مؤجلًا.
ليس كل شخص يستحق «الحديث الأخير». لأن من لم يفهمك في البدايات، لن يفهمك في النهايات. هناك أناس لا يبحثون عن الحقيقة، بل عن انتصار وهمي، ولا يريدون الفهم، بل الإدانة. وهنا يتدخل الله بلطفه، فيغلق على قلبك باب الجدل، ويفتح لك باب السلام. تدرك حينها أن الانسحاب ليس ضعفًا، بل حكمة، وأن السكوت ليس هزيمة، بل نجاة.
الله سبحانه وتعالى لم يخلق الإنسان ليكون ساحة تبرير مستمرة، ولا ليهدر عمره في شرح نفسه لمن أساء الظن به. قال جلّ شأنه:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾
[سورة الفرقان: 63]
هذه الآية ليست أدبًا لغويًا فحسب، بل فقه حياة. «قالوا سلامًا» تعني أن الله أولى من الجدال، وأن الطمأنينة أعظم من الانتصار المؤقت.
ويقول النبي ﷺ:
«من حسن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه».
رواه الترمذي.
حديث قصير، لكنه ثقيل بالمعنى. يعلّمك أن ترك بعض المعارك عبادة، وأن الله يُكافئ من صان وقته وقلبه عن كل ما لا يزيده قربًا منه.
حتى الحكماء، رغم اختلاف عصورهم، لمسوا هذه الحقيقة. سينيكا الفيلسوف الروماني كان يرى أن الجدل مع من لا يريد الفهم نوع من معاقبة النفس. ونيتشه لمح إلى أن كرامة الإنسان تبدأ حين يتوقف عن تبرير ذاته. أما جلال الدين الرومي فقال قولًا بالغ العمق: «لا تشرح نفسك، فمَن أحبك لا يحتاج إلى شرح، ومَن لا يحبك لن يقتنع به». عبارة تبدو بسيطة، لكنها تحمل خلاصة راحة طويلة.
وفي تاريخنا قصة قديمة من عصر الصحابة، تُروى عن الحسن بن علي رضي الله عنهما، حين شتمه رجل من أهل الشام وأفرغ عليه من السوء ما استطاع. لم يرد الحسن بكلمة واحدة مما قيل، بل نظر إليه بهدوء وقال: إن كنت جائعًا أشبعناك، وإن كنت عريانًا كسوناك، وإن كنت محتاجًا أغنيناك. فبكى الرجل وقال: الله أعلم حيث يجعل رسالته. هذا لم يكن ضعفًا، بل فقهًا عاليًا، وتوحيدًا عمليًا، وثقة أن الله هو الذي يتولى القلوب.
وفي قصة أخرى من التابعين، قيل إن سعيد بن المسيّب كان يُساء إليه فلا يرد، فقيل له في ذلك، فقال: إن الله أعدل من أن يتركني مظلومًا، وأحكم من أن أحتاج الدفاع عن نفسي بكل مرة. هذا هو الإيمان حين يتحول إلى سلوك، لا شعارات.
وفي زماننا، تتكرر القصة بصور مختلفة. موظف يُساء فهمه، صديق يُتهم بغير حق، إنسان يُطالب دائمًا بالتبرير. أحدهم أدرك أخيرًا أن الله لا يبارك في مكان يُهدر فيه الإنسان نفسه. ترك الضجيج، وترك الشرح، وترك «الحديث الأخير». وبعد فترة، عوّضه الله بسكينة لم يعرفها من قبل، وبأبواب فُتحت دون أن يطرقها كثيرًا. لأن ما كان لله دام واتسع.
السخرية المؤلمة أن أكثر من يطالبونك بالحوار هم أقلهم استعدادًا للاستماع، وأكثر من يتحدثون عن النوايا هم أبعدهم عنها. وهنا تكون الحكمة أن تبتسم، وتنسحب، وتترك الله يتولى ما عجز عنه الكلام. فالله لطيف، حكيم، رحيم، لا يخذل من توكل عليه، ولا يضيع من فوّض أمره له.
في الختام، ليس مطلوبًا منك أن تقول كل شيء، ولا أن تخوض كل معركة، ولا أن تمنح الجميع «الحديث الأخير». أحيانًا، يكون آخر ما تقوله هو الصمت، وأول ما تكسبه هو السلام. وحين تختار الله بدل الجدل، يختارك الله لطمأنينة لا تشبه شيئًا آخر.

● ابتسم الآن … فأنا أكتب من أجلك … ولأضيء..!

الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438
——————————‐——————–‐————
[email protected]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

Notice: ob_end_flush(): Failed to send buffer of zlib output compression (0) in /home/shula/public_html/wp-includes/functions.php on line 5471