مقالات

الذين تجاهلوني صنعوا تاريخي…!!

"الله أرحم من أن يُطفئ قلبًا صادقًا، وأحكم من أن يترك وجعًا بلا معنى، وأقرب من أن يضيع من احتمى به."

 

✒️ راضي غربي العنزي –
“كاتب سعودي”

لا تسقط المحبة فجأة، بل تنكفئ على نفسها رويدًا، كما ينطفئ الضوء حين يُهمَل مصدره. التجاهل لا يقتل دفعة واحدة، لكنه يرهق الروح حتى تفقد رغبتها في المحاولة. الرد المتأخر، حين يتكرر، لا يعود تفصيلًا عابرًا، بل يتحول إلى موقف مكتمل الأركان، يقول دون ( (Alain Deneault)، الفيلسوف الكندي المعاصر المعروف بكتابه المؤثر “نظام التفاهة”)كلمات : لست مهمًا بما يكفي. عندها، تبدأ اللهفة بالتراجع، لا احتجاجًا، بل حفظًا لما تبقى من كرامة الشعور.
الفتور المتعمد أكثر إيلامًا من القطيعة، لأنه يترك الإنسان معلقًا بين رجاءٍ خجول وواقعٍ بارد. الرغبة في الكلام تنطفئ حين تُقابل المشاعر بالاستخفاف، وحين يُعامَل العمق الإنساني كترفٍ زائد. أما المسامحة، فهي لا تنهزم لأنها ضعيفة، بل لأنها أُنهكت بتكرار الأذى، حتى صار استمرارها إيذاءً للنفس لا فضيلة.
النوايا البيضاء لا تفسد، لكنها تتعب صاحبها حين يُساء تأويلها في كل مرة. الإنسان لا ينفجر لأنه حاد الطبع، بل لأنه صبر طويلًا. وما يُكبت اليوم، حين يُتجاهل ويُستصغر ، سيفرض حضوره غدًا، لا غضبًا، بل انسحابًا هادئًا. وكل انكفاءٍ مفاجئ، سبقه نداء لم يُصغَ إليه، وعتبٌ لم يُؤخذ بجدية.
وفي قلب هذا المشهد الإنساني، يتجلى الإيمان لا بوصفه خطابًا عاطفيًا، بل وعيًا مطمئنًا. الإيمان الذي لا يُعطِّل العقل، ولا يُبرر الظلم، بل يربط القلب بالله ربطًا يحرره من الارتهان للبشر. الله سبحانه، المنزَّه عن النقص، العادل في حكمه، اللطيف في تدبيره، حاضرٌ حين تضيق الصدور.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ ۖ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾
[سورة الشورى: 19]
ليست هذه الآية وعدًا مؤجلًا فحسب، بل طمأنينة فاعلة، تُعيد ترتيب الداخل حين ينهار الخارج.
الحكيم الروماني سينيكا أشار إلى أن الإنسان يتعذب أكثر بتفسيره للأحداث لا بالأحداث نفسها، بينما كان نيتشه يرى أن الألم العميق لا يُنقِص الإنسان، بل يُعيد تشكيله من الداخل. وبين الحكمة الإنسانية والهداية الربانية، يولد اتزان نادر : أن تحمي ذاتك دون أن تفقد صفاءك، وأن تغادر المواقف المؤذية دون أن تحمل ضغينة.
وفي قصة حديثة تشبه واقعنا، شابٌ ظل سنوات في بيئة تقلل من جهده، تؤجل حقه، وتطالبه بالصبر كلما ضاق. صبر، لا خضوعًا، بل يقينًا بأن الله يرى. وحين اختار الصمت والرحيل الهادئ، فُتحت له أبواب لم يكن يتوقعها. وجد نفسه في مكان يُحترم فيه وقته، ويُقدَّر فيه صوته. قال بهدوء: الحمد لله الذي دلّني على نفسي حين أضلّني الآخرون عنها.
وقال النبي ﷺ:
«عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»
رواه مسلم
هذا هو الإيمان الواعي: لا يُنكر الألم، ولا يُقدّسه، بل يمرّ به وهو متصل بالله، مطمئن إلى أن العاقبة ليست للضجيج، بل للثبات.
العالم ساخر بطبعه، يمنحك ظهره حين تكون صادقًا، ثم يتفاجأ حين تختار الرحيل. لكنه لا يملك الكلمة الأخيرة. الكلمة الأخيرة لله، العدل، الحكيم، الحافظ. ومن كان الله معه، لم يخسر وإن ظن المرء أنه خسر.
وفي الختام، ليس كل صمت ضعفًا، ولا كل نهاية خسارة. أحيانًا يكون الصمت نجاة، ويكون الانكفاء بداية حياة أكثر اتساعًا. من سلّم أمره لله، لم يُكسَر، بل أُعيد تشكيله على مهل… ليكون أقوى، وأصفى، وأقرب.

●ابتسم الآن ….فأنا أكتب لاجلك …ولأضئ ..!

الهيئة العامة لتنظيم الاعلام 479438
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
[email protected]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى