مقالات

الرِّضا: الخفّة الثقيلة …!!

 

 

✒️ رَاضِي غَرْبِي العَنَزِي “كاتب رأي سعودي”

 

“فِي صَمْتِ الْقَلْبِ حِينَ يَرْضَى، تَمُرُّ رَحْمَةُ اللَّهِ كَنَسِيمٍ لَا يُرَى، لَكِنَّهَا تُغَيِّرُ كُلَّ شَيْءٍ.”

 

لَيْسَ الرِّضَا كَمَا يَظُنُّهُ الْمُتَعَجِّلُونَ اسْتِسْلَامًا نَاعِمًا، وَلَا هُوَ تِلْكَ الْوِسَادَةُ الَّتِي يَضَعُهَا الْعَاجِزُ تَحْتَ رَأْسِهِ لِيُبَرِّرَ عَجْزَهُ، بَلْ هُوَ مَهَارَةٌ دَاخِلِيَّةٌ دَقِيقَةٌ، تُشْبِهُ إِلَى حَدٍّ بَعِيدٍ اتِّزَانَ لَاعِبِ السِّيرْكِ فَوْقَ حَبْلٍ مَشْدُودٍ؛ خُطْوَةٌ وَاحِدَةٌ زَائِدَةٌ فِي التَّعَلُّقِ فَتَسْقُطُ، وَخُطْوَةٌ نَاقِصَةٌ فِي السَّعْيِ فَتَتَوَقَّفُ الْحَيَاةُ. وَبَيْنَ هَذَا وَذَاكَ، يُولَدُ الرِّضَا؛ لَا يَقْتُلُ الرَّغْبَةَ، بَلْ يُهَذِّبُهَا، وَلَا يُطْفِئُ الطُّمُوحَ، بَلْ يُحَرِّرُهُ مِنَ الْقَلَقِ.

 

الْإِنْسَانُ بِطَبِيعَتِهِ مَشْرُوعُ رَغْبَةٍ لَا يَنْتَهِي، يُرِيدُ أَكْثَرَ، وَيَخَافُ أَنْ يَفُوتَهُ الْأَكْثَرُ، فَيَعِيشُ حَيَاتَهُ وَكَأَنَّهُ فِي سِبَاقٍ لَا خَطَّ نِهَايَةَ لَهُ. يَرْكُضُ، يَلْهَثُ، يَلْتَفِتُ خَلْفَهُ، ثُمَّ يَكْتَشِفُ – مُتَأَخِّرًا – أَنَّهُ كَانَ يُطَارِدُ ظِلَّهُ. هُنَا تَحْدِيدًا، يَأْتِي الرِّضَا كَصَفْعَةٍ لَطِيفَةٍ، يَقُولُ لَكَ: اهْدَأْ… لَيْسَ كُلُّ مَا يُمْكِنُ أَنْ تَمْلِكَهُ، يَجِبُ أَنْ تَمْلِكَهُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا تَتَمَنَّاهُ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا لِسَلَامِكَ.

 

وَلَعَلَّ أَعْجَبَ مَا فِي الرِّضَا أَنَّهُ لَا يُرَى، لَكِنَّهُ يُشِعُّ. تَرَاهُ فِي وَجْهِ رَجُلٍ بَسِيطٍ، لَا يَمْلِكُ إِلَّا قُوتَ يَوْمِهِ، لَكِنَّهُ يَنَامُ مِلْءَ قَلْبِهِ طُمَأْنِينَةً، بَيْنَمَا يَظَلُّ آخَرُ يَمْلِكُ الْأَرْصِدَةَ وَالْقُصُورَ، يُقَلِّبُ وِسَادَتَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ بَحْثًا عَنْ رَاحَةٍ لَا تُشْتَرَى. وَكَأَنَّ الرِّضَا يَقُولُ سَاخِرًا: أَنَا لَسْتُ فِي حِسَابِكَ… أَنَا فِي قَلْبِكَ.

 

يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: “لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ”، فَهَذِهِ لَيْسَتْ دَعْوَةً لِلْبُرُودِ، بَلْ لِلِاتِّزَانِ؛ أَنْ لَا تُسْحِقَكَ الْخَسَارَةُ، وَلَا تُغْرِيكَ النِّعْمَةُ حَتَّى تَنْسَى الْمُنْعِمَ. وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: “عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ…”، وَكَأَنَّ الْمَعَادَلَةَ بَسِيطَةٌ لِمَنْ فَهِمَهَا: مَا دَامَ قَلْبُكَ مَوْصُولًا بِاللَّهِ، فَكُلُّ مَا يَمُرُّ بِكَ خَيْرٌ.

 

وَفِي زَاوِيَةٍ مِنْ تَارِيخِ الْمُسْلِمِينَ، يُرْوَى عَنْ رَجُلٍ مِنَ التَّابِعِينَ كَانَ يَعْمَلُ حَمَّالًا فِي السُّوقِ، يَحْمِلُ الْأَثْقَالَ مُقَابِلَ دَرَاهِمَ قَلِيلَةٍ، وَكَانَ كُلَّمَا سُئِلَ عَنْ حَالِهِ قَالَ: أَنَا فِي نِعْمَةٍ لَا يَعْرِفُهَا الْمُلُوكُ. فَلَمَّا سُئِلَ عَنْهَا، قَالَ: قَلْبِي لَا يَحْمِلُ شَيْئًا أَثْقَلَ مِنْ جَسَدِي. جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ تُلَخِّصُ فَلْسَفَةَ الرِّضَا.

 

وَفِي زَمَنِنَا، تَتَكَرَّرُ الْحِكَايَةُ بِصُورَةٍ أُخْرَى؛ شَابٌّ خَسِرَ وَظِيفَتَهُ، فَظَنَّ أَنَّهُ خَسِرَ كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ أَعَادَ بِنَاءَ نَفْسِهِ مِنْ جَدِيدٍ، بِقَلْبٍ أَخَفَّ وَنَفْسٍ أَصْفَى. وَحِينَ سُئِلَ بَعْدَ سَنَوَاتٍ: أَلَا تَنْدَمُ؟ قَالَ: لَوْ بَقِيتُ هُنَاكَ لَخَسِرْتُ نَفْسِي وَأَنَا أُحَاوِلُ أَنْ أَكْسِبَ كُلَّ شَيْءٍ.

 

وَيَقُولُ سِينِيكَا: لَيْسَ الْفَقِيرُ مَنْ يَمْلِكُ الْقَلِيلَ، بَلْ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى الْكَثِيرِ، وَيُرَدِّدُ مَارْكُوسْ أُورِيلِيُوسْ: اقْبَلْ مَا يَأْتِيكَ، وَأَحِبَّ النَّاسَ الَّذِينَ يُشَارِكُونَكَ حَيَاتَكَ. أَمَّا الْمُؤْمِنُ، فَيَرَى فِي كُلِّ ذَلِكَ أَثَرَ لُطْفِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ، فَيَطْمَئِنُّ قَلْبُهُ.

 

الرِّضَا لَيْسَ أَنْ تُغْمِضَ عَيْنَيْكَ عَنِ الْوَاقِعِ، بَلْ أَنْ تَرَاهُ دُونَ أَنْ يَكْسِرَكَ. أَنْ تَسْعَى دُونَ أَنْ تَنْهَارَ، وَتَتَمَنَّى دُونَ أَنْ تُرْهِقَ، وَتَنْتَظِرَ دُونَ أَنْ تَنْكَسِرَ. هُوَ أَنْ تُبْقِي قَلْبَكَ حُرًّا، فِي عَالَمٍ يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَهُ أَسِيرًا.

 

وَفِي هَذَا الْعَالَمِ الَّذِي يَقِيسُ كُلَّ شَيْءٍ بِالْأَرْقَامِ، يَبْدُو الرِّضَا فِكْرَةً غَيْرَ عَمَلِيَّةٍ، بَلْ سَاذِجَةً فِي نَظَرِ بَعْضِهِمْ. لَكِنَّ الْمُفَارَقَةَ أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ تَعَبًا هُمُ الَّذِينَ لَا يَرْضَوْنَ، وَأَكْثَرَهُمْ رَاحَةً هُمُ الَّذِينَ عَرَفُوا مَتَى يَقُولُونَ: يَكْفِينِي.

 

وَالرِّضَا عِبَادَةٌ قَلْبِيَّةٌ رَفِيعَةٌ، فِيهَا تَعْظِيمٌ لِلَّهِ، وَإِقْرَارٌ بِكَمَالِهِ، وَثِقَةٌ بِحِكْمَتِهِ، فَلَا يُدَبِّرُ لِلْعَبْدِ إِلَّا خَيْرًا. وَحِينَ يَمْتَلِئُ الْقَلْبُ بِهَذَا الْمَعْنَى، يَهْدَأُ وَيَسْتَرِيحُ.

 

وَفِي الْخِتَامِ، لَعَلَّ أَجْمَلَ مَا يُقَالُ: الرِّضَا لَا يُغَيِّرُ مَا فِي يَدِكَ، بَلْ يُغَيِّرُ مَا فِي صَدْرِكَ. وَحِينَ يَتَغَيَّرُ مَا فِي صَدْرِكَ، تَتَغَيَّرُ نَظْرَتُكَ لِكُلِّ شَيْءٍ. فَكُنْ رَاضِيًا بِمَا هُوَ مَوْجُودٌ، فَفِي ذَلِكَ سِرٌّ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِقَلْبٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَثِقُ بِهِ.

 

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

 

[email protected]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

Notice: ob_end_flush(): Failed to send buffer of zlib output compression (0) in /home/shula/public_html/wp-includes/functions.php on line 5481