الوفاء… قيمة القادة وصميم الروح الكشفية

في مسيرة الإنسان لا يتحرك وحده، مهما ظن ذلك؛ فخلف كل خطوة ناجحة يدٌ ساندت، وخلف كل إنجاز قلبٌ آمن، وخلف كل تعثر كلمةٌ أعادت التوازن وأيقظت العزيمة؛ إننا نستقبل في حياتنا صنوفاً من المعروف؛ بعضها يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق الأثر في جوهره؛ غير أن الجميل لا يُقاس بحجمه، ولا يُشترط أن يُردّ بمثله، فبعض العطاء أسمى من أن يُكافأ، وأكبر من أن يُعاد.
ليس مطلوباً من الإنسان أن يردّ كل جميل، فذلك فوق طاقة البشر، لكن المطلوب أن يكون وفيّاً، نبيلاً، قادراً على حفظ الفضل والاعتراف به؛ فثمة فرق كبير بين من يعجز عن ردّ المعروف، ومن يتعمّد تجاهله: الأول معذور… والثاني جاحد.
وفي الميدان التربوي تتجلى هذه القيمة بأوضح صورها؛ فالمعلم الذي يبذل، والمربي الذي يصبر، والقائد الذي يهب وقته وجهده، لا ينتظرون مقابلاً مادياً، بل ينتظرون كلمة تقدير، دعاءً صادقاً، أو اعترافاً بالفضل؛ تلك الإشارات البسيطة قد تكون أعظم من أي مكافأة.
أما في الحركة الكشفية، فالوفاء ليس مجرد سلوك، بل مبدأ أصيل تُبنى عليه الشخصية القيادية، يتعلم الكشاف منذ بداياته أن يكون شاكراً، معترفاً بالجميل، مدركاً أن العمل الجماعي هو أساس النجاح، وأن القيادة الحقيقية تبدأ بالتواضع وتقدير الآخرين، فالقائد الكشفي الواعي لا يقول: أنا فعلت، بل يقول: نحن أنجزنا؛
لا ينسى من علّمه، أو دعمه، أو فتح له الطريق؛ ويغرس في نفوس فتيانه ثقافة الامتنان، ويعلّمهم أن شكر الناس من شكر الله، فالبيئات التربوية التي يسودها الوفاء تنمو فيها الثقة، وتزدهر فيها العلاقات، ويعمل أفرادها بروح الفريق؛ أما حين يغيب الاعتراف بالفضل، يخبو الحماس، ويتراجع العطاء، وتفقد الرسالة معناها. إن إنكار الجميل ليس قوة، بل ضعف في القيم؛ أما الوفاء فهو سمة القادة، وعنوان النبلاء، وروح العمل الكشفي الأصيل؛ وفي نهاية المطاف…قد لا تستطيع دائمًا ردّ الجميل، لكن تستطيع أن تحفظه، وتذكره، وتعلّمه لمن يأتي بعدك…فكن أرقى من أن تُنكره.
غانم بن عبدالله سعد آل غانم
@GKshfe




