مقالات

عبدالله بن ناصر آل حسينة… سيرة عطاء تُختَم بالصبر والرضا

 

 

في لحظات الرحيل، لا يغيب الجسد وحده، بل تترك الأرواح العظيمة فراغاً ثقيلاً لا تملؤه الكلمات، ويظل أثرها حيّاً في القلوب والذاكرة؛ هكذا كان رحيل عبدالله بن ناصر آل حسينة – رحمه الله – الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى يوم الخميس 17 شعبان 1447هـ الموافق 5 فبراير 2026م، بعد معاناة مع مرض الفشل الكلوي وسقوط مفاجئ أنهك جسده، فاختاره الله إلى جواره، راضياً مرضياً بإذن الله؛ و شُيّع جثمانه في مشهد مهيب، وصُلِّي عليه بعد صلاة الجمعة في جامع متعب بمسقط رأسه وادي الدواسر، وسط حضور كبير عكس مكانته في قلوب الناس.

لم يكن الفقيد رجلاً عادياً في تفاصيل حياته، بل كان نموذجاً للرجل العصامي الذي صنع نفسه بنفسه؛ غادر وادي الدواسر في سن مبكرة متوجهاً إلى العاصمة الرياض، باحثاً عن الرزق، حاملاً طموحه وإصراره، ولم يتخلَّ عن حلمه في إكمال دراسته، حتى حقق ما كان يرجوه من آمال عاد بعدها ليخدم محافظته، فعمل فترة طويلة في إمارة وادي الدواسر، ثم واصل مسيرته الوظيفية مساعداً لمدير تعليم البنات بالمحافظة، حتى تقاعد وهو يحمل سيرة مهنية ناصعة؛ حيث عرفه زملاؤه وكل من تعامل معه رجلاً أميناً، دقيقاً في أداء واجبه، لا يحيد عن الأنظمة، بل يبدأ بتطبيقها على نفسه قبل غيره، إيماناً منه بأن العدل لا يتجزأ، وأن المسؤولية أمانة قبل أن تكون منصباً؛ وكان هذا النهج الصارم المتزن سبباً في احترام الجميع له، حتى مع من اختلفوا معه.

وإلى جانب عمله الوظيفي، استثمر – رحمه الله – في المجال الزراعي، وكان حسن النية، صادق التوكل على الله، فبارك الله له في رزقه، وكان لا يذكر نجاحاً إلا قرنه بالحمد والشكر، مستحضراً قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ؛غير أن أجمل ما في سيرته لم يكن ظاهراً للعيان؛ فقد كان من أولئك الذين يعملون للآخرة بصمت؛ يبني المساجد والمصليات، ويُصلح ما يحتاج إلى إصلاح، ويدعم الأسر المحتاجة التي تقع عينه على حالها، دون أن يعلم به أحد، لا رياءً ولا طلباً لثناء؛ كان يؤمن أن الخير إذا خفي كان أقرب للإخلاص، وأن ما عند الله لا يُنال

إلا بصدق النية، مستحضراً قول النبي صل الله عليه وسلم:

“سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ومنها ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه”.

وعلى المستوى الشخصي، كانت تجمعني به – رحمه الله – جلسات شبه يومية؛ إما بعد صلاة العصر في مجلس جاره حنيان بن مبارك آل مسن، أو بعد صلاة المغرب في مجلس رفيق دربه ناصر بن صالح آل حمدان، الذي سبقه إلى رحمة الله في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة من هذا العام؛ فقد كنت أستمتع بحديثه، فخبرته الواسعة، واطلاعه على كثير من أحداث المحافظة بحكم عمله واستثماراته، جعلاه مدرسة مفتوحة في شؤون الحياة؛ وأكثر ما كان يعلق في الذهن حديثه الدائم عن العطاء، إذ كان يرى أن العطاء لا يقتصر على الإنفاق، بل في الإحساس بأنك إنسان أفضل، وأن الخير متى ما انتقل من اليد إلى القلب أصبح رحمة تتعدى صاحبها إلى من حوله.

رحل عبدالله بن ناصر آل حسينة، لكن سيرته بقيت، وبقيت معه القلوب والبيوت التي عمرها خيره، والذكريات التي تفيض بالصدق؛ نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يرزقه الفردوس الأعلى من الجنة، وأن يلهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.

 

مبارك بن عوض الدوسري

@mawdd3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى