مقالات

مائدة.. المغفرة …!!

“ليس رمضان مائدة طعام… بل مائدة نجاة، يجلس عليها المنكسرون أولاً، ويقوم عنها المثقلون أخفَّ مما جاؤوا.”

 

✒️ – راضي غربي العنزي – “كاتب سعودي”

حين يقترب رمضان لا تتغير الأيام فقط، بل تتبدل الملامح الداخلية للإنسان، يهدأ صخب الروح، وتنخفض ضوضاء الرغبات، كأن العالم يمنح القلب فرصة ليلتقط أنفاسه بعيدًا عن ازدحام الحياة، رمضان ليس شهراً عابراً بين فصول السنة، بل محطة مراجعة كبرى، وموسم تصحيح، ومائدة مفتوحة لا يُردُّ عنها أحد.
هي مائدة لا تُفرش بالخبز والماء فحسب، بل تُفرش بالمغفرة، وتُزيَّن بالرحمة، وتُضاء بدموعٍ خفية لا يراها إلا الله، في هذا الشهر لا يجوع الجسد ليُعذَّب، بل ليتهذّب، ولا يعطش ليُرهق، بل ليشعر، ولا يُمسك الإنسان عن شهواته ليُحرم، بل ليُحرَّر من عبوديتها.
رمضان يعيد ترتيب الإنسان من الداخل، يعلّمه أن أعظم الانتصارات ليست في كسب الأشياء، بل في كبح النفس، وأن أصدق اللحظات ليست في ضجيج المجالس، بل في سكون السجود، وأن أقرب الطرق إلى الطمأنينة تمرّ عبر باب الصبر، في هذا الشهر تتقلص المسافات بين العبد وربه، ويصبح الدعاء لغة يومية، وتتحول الدموع إلى جسور نور.
كم من قلبٍ أثقلته الأخطاء، ثم جلس على هذه المائدة فنهض خفيفًا، وكم من روحٍ أرهقها التيه، فوجدت في رمضان بوصلة العودة، وكم من إنسانٍ ظن أن الأبواب أغلقت في وجهه، فاكتشف أن باب السماء كان ينتظر طرقته فقط، رمضان لا يسأل من كنت، بل يسأل من تريد أن تكون.
في لحظة الأذان عند الغروب، تختلط رائحة الخبز بنداء السماء، فيتذكر الإنسان أن الصبر ليس حرمانًا بل إعدادًا، وأن الانتظار ليس ضعفًا بل تربية، وأن كل دقيقة جوعٍ كانت درسًا في معنى الامتنان، هنا يدرك الصائم أن اللقمة ليست مجرد طعام، بل نعمة، وأن الماء ليس عادة، بل رحمة.
رمضان مدرسة أخلاق قبل أن يكون برنامج عبادات، يصوم اللسان عن الأذى قبل أن يصوم الجسد عن الطعام، وتصوم العين عن المقارنة قبل أن تصوم المعدة عن الشراب، وتصوم القلوب عن الضغائن لتتعلم الصفح، فيتحول الشهر إلى ورشة إصلاح شاملة، تبدأ من الداخل وتمتد أثرًا إلى الخارج.
هو شهر التكافل الذي يوقظ الإحساس بالآخرين، حين نجوع نتذكر من يجوع دائمًا، وحين نعطش نشعر بمن لا يجد ماءً باردًا في حرّ الحياة، فنمد أيدينا بالعطاء لا ترفًا بل وعيًا، لا رياءً بل رحمة، لأن رمضان لا يكتمل إلا حين يشارك الإنسان غيره دفء الخير.
مائدة المغفرة ليست حكرًا على الكاملين، بل هي دعوة مفتوحة للمتعبين، للذين أخطأوا ثم ندموا، للذين ابتعدوا ثم اشتاقوا، للذين أرهقتهم الحياة فبحثوا عن ملجأ، في هذا الشهر لا يُغلق الباب في وجه أحد، ولا يُسأل القادم عن ماضيه، بل يُحتفى بنيته الجديدة.
رمضان فرصة عمر تتكرر، لكنه لا ينتظر المترددين، من أراد التغيير فليبدأ الآن، من أراد الصفح فليبادر الآن، من أراد السلام فليصالح قلبه الآن، لأن الأيام تمضي سريعًا، وما يبقى هو الأثر الذي صنعناه في أنفسنا وفي الآخرين.
فلنستقبل رمضان بوعيٍ مختلف، لا بعاداتٍ مكررة، لنستقبله بقرار صادق أن نخرج منه أخفّ مما دخلنا، أن نغفر أكثر، أن نحب أعمق، أن نترك أثرًا يليق بهذا الضيف العظيم، لأن من جلس على مائدة المغفرة بحق، لا يعود كما كان أبدًا.

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

[email protected]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى