مركز الملك فيصل يدشن “كرسي الكتاب العربي” لتعزيز دراسة تاريخ الكتاب العربي وتطوير حقوله المعرفية

د. وسيلة محمود الحلبي
بحضور صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وصاحبة السمو الملكي الأميرة مها الفيصل الأمين العام للمركز، وسعادة الدكتور محمد ولد أعمر المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ألكسو، دشن مركز الملك فيصل، أمس، “كرسي الكتاب العربي”، في خطوة تستهدف تطوير حقل معرفي يعنى بدراسة الكتاب العربي في مختلف مراحله.
وأكد الأمير تركي في كلمته خلال حفل التدشين، أن الكتاب العربي شكّل عبر التاريخ وعاءً للمعرفة وركنًا أساسيًا في حفظ الحضارة، مستحضرًا البعد الديني والثقافي للكتابة، مضيفا سموه: إن الأمة عرفت طريقها إلى العالم من خلال الكلمة منذ الأمر الإلهي {اقرأ}، وأصبح الكتاب في حضارتها وعاءً للمعنى وحافظًا للمعارف.
وأشار سموه إلى أن الحضارة العربية الإسلامية كانت “حضارة كتاب بامتياز”، حيث كُتبت العلوم ونُسخت وشُرحت وتداولت عبر القرون، حتى غدا الكتاب أكثر من مجرد وسيلة لنقل المعرفة، بل “بيتًا للعقل، وذاكرةً للزمان، ومرآةً للمجتمع”.
وأوضح سمو الأمير تركي أن الكتاب العربي، سواء في صورته المخطوطة أو المطبوعة، ظل شاهدًا على التحولات الفكرية والاجتماعية، ناقلًا للعلوم والمعارف بين الأجيال والمدن، ومؤسسًا لتقاليد علمية شملت القراءة والنسخ والتدريس وبناء المكتبات والأوقاف العلمية.
وبيّن سموه أن الجهود السابقة في حفظ التراث، من تحقيق وفهرسة وصون، أسهمت في حماية الذاكرة الثقافية، إلا أن الحاجة لا تزال قائمة للنظر إلى الكتاب العربي بوصفه كيانًا معرفيًا متكاملًا، يتجاوز كونه حاملًا للنص، ليشمل أبعاده المادية والثقافية وسياقاته التاريخية.
وأكد سموه أن تدشين كرسي الكتاب العربي بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، يأتي بوصفه أول كرسي من نوعه في العالم العربي، ليجمع الجهود العلمية المتصلة بهذا المجال في إطارٍ مؤسسي جامع، ويحوِّل العناية بالكتاب العربي من أعمالٍ متفرقة إلى مسارٍبحثيٍّ متكامل، يعزّز حضوره في خارطة المعرفة الإنسانية.
واختتم سموه كلمته بالتأكيد على أن تدشين الكرسي يمثل “وعدًا” بالحفاظ على حضور الكتاب العربي، وتعزيز دوره كجسر يربط الماضي بالمستقبل في الحياة الثقافية.
من جانبه، أوضح الدكتور عبدالله حميد الدين، مساعد الأمين العام للشؤون العلمية بالمركز، أن إطلاق الكرسي يأتي ضمن توجه مركز الملك فيصل لتطوير الحقول المعرفية المرتبطة بالثقافة العربية الإسلامية.
وأشار حميد الدين إلى أن المركز يمتلك رصيدًا كبيرًا من المخطوطات والكتب النادرة، يتجاوز 28 ألف مخطوط أصلي ونحو 100 ألف مخطوط مصوّر، إضافة إلى مجموعات واسعة من الكتب والمواد العلمية، ما يوفر قاعدة قوية لإطلاق مشاريع بحثية متخصصة.
وبيّن إلى أن هناك تباينًا بين وفرة الإنتاج المعرفي وندرة الحقول العلمية المنظمة التي تستوعب هذا الإنتاج، وهو ما دفع المركز إلى تبني الكراسي البحثية كأداة لتأسيس وتطوير هذه الحقول، وليس فقط العمل ضمن أطر معرفية قائمة.
موضحا أن الكرسي البحثي لا يقتصر على إنتاج الدراسات، بل يسهم في بناء المنهجيات، وتطوير الأدوات، ووضع المعايير، وتأسيس شبكة علمية من الباحثين، إضافة إلى إدماج هذه الحقول ضمن المؤسسات التعليمية والبحثية.
وأضاف الدكتور عبدالله بأنه أن عددًا من الكراسي البحثية يعمل حاليًا تحت مظلة المركز، من بينها كرسي اليونسكو لترجمة الثقافات، وكرسي أبحاث دروب الحج، وكرسي الألكسو للصنائع العربية الإسلامية، وكرسي الأمير محمد الفيصل للتقنية والابتكار، وجميعها تستهدف تطوير مجالات معرفية تخدم دراسة الحضارة العربية الإسلامية.
ويُعنى كرسي الكتاب العربي في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بتطوير حقلٍ معرفيٍّ يدرس الكتاب العربي في جميع أطواره: مخطوطًا، ومطبوعًا، ومرقمنًا، بوصفه وعاءً للمعرفة، وأثرًا ماديًا، وشاهدًا على الحياة العلمية والثقافية في الحضارة العربية والإسلامية.
وينطلق الكرسي من رؤية تجعل الكتاب العربي موضوعًا للبحث من حيث بنيته المادية، وسياقات إنتاجه، ومسارات تداوله، وأنماط قراءته، وصلته بالمكتبات والأسواق والمدارس والمؤسسات العلمية، مع الإفادة من المناهج الحديثة في تاريخ الكتاب، والكوديكولوجيا، والببليوغرافيا، والدراسات الثقافية، والتحول الرقمي.
ويهدف الكرسي إلى بناء مرجعية علمية في علم الكتاب العربي، وتنشيط الدراسات المتصلة بالمخطوطات والمطبوعات العربية، ودعم التحقيق والنشر العلمي، وتكوين الباحثين، وتعزيز حضور الكتاب العربي في الوعي الثقافي المعاصر، من خلال البرامج البحثية، والمنح، وورش التدريب، والإصدارات العلمية، والمعارض، والمبادرات الرقمية.
كما يستند الكرسي في عمله إلى ما يملكه مركز الملك فيصل من رصيد علمي ومادي كبير في المخطوطات والكتب النادرة والمجموعات المطبوعة، بما يتيح تحويل هذا الإرث إلى مشروعات بحثية وتعليمية وثقافية تسهم في إعادة قراءة تاريخ الثقافة العربية من خلال أحد أهم أوعيتها: الكتاب العربي.
ويأتي تدشين “كرسي الكتاب العربي” في إطار جهود مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية لتعزيز البحث العلمي، وتطوير الدراسات المرتبطة بالتراث العربي، بما يسهم في إعادة قراءة هذا التراث ضمن سياق معرفي حديث ومتجدد.




