مقالات

المطر الذي يعرفهم قبل السقوط …!!

"الله لا يختار الأشد صخباً، بل الأصدق وقوفاً… أولئك الذين يشبهون قلوبهم."

 

 

 

 

✒️ – راضي غربي العنزي – كاتب سعودي

 

 

لا يجذبني في الناس شيء كصدقهم، لا لأن الصدق نادر، بل لأن البساطة صارت عبئًا. الصادق لا يلمع، ولا يشرح نفسه، ولا يتقن الوقوف طويلًا أمام المرآة. يمرّ خفيفًا كأنه لا يريد من العالم شيئًا، فيمنحه الله أكثر مما طلب. صدق الشعور حين لا يُستعرض، وصدق الاعتذار حين لا يُدعّم بالحجج، وصدق الفرح حين لا يبحث عن شهود، وصدق الحزن حين لا يُستثمر. أراه في العيون قبل أن يتشكل في اللغة، فأطمئن، وكأن القلب خُلق ليعرف الصدق بالفطرة، كما تعرف الأرض ماءها بلا تعريف.

نعيش زمنًا صار فيه التمثيل مهارة اجتماعية، وصار الصدق تصرّفًا يثير الريبة. من يعتذر يُساء فهمه، ومن يقول “لا أعلم” يُتَّهم بالقصور، ومن يفرح بهدوء يُحاصَر بالأسئلة، ومن يحزن بكرامة يُتجاهل. ومع ذلك، لا أمان يشبه أمان مرافقة الصادق، لأن الصادق لا ينافسك، ولا يخطط لك، ولا يحصي خطواته أمامك. هو واضح حدّ الإرباك، وصادق حدّ الطمأنينة.

الله سبحانه، الرحيم بلطفه، إذا أراد لعبدٍ سكينةً لم يغيّر ضجيج العالم، بل غيّر نوع القلوب التي تصادفه. فالصدق ليس خُلقًا اجتماعيًا فحسب، بل أثرٌ في الحياة اليومية. من صادق صُنع عالمه الصغير، ومن استقام داخليًا خفّ ظاهره، ومن خفّ ظاهره أراح من حوله دون أن يشعر.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

[التوبة: 119]

آية لا تطلب منك أن تكون بطلًا، بل أن تختار الصحبة الصحيحة. كأن الصدق لا يُمارَس منفردًا، بل يُلتقط بالمجاورة. ويقول النبي ﷺ:

«عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة»

طريق مستقيم، لا زخرفة فيه، ولا التفاف.

الفلاسفة، حين صدقوا، اقتربوا من هذه الحقيقة. سقراط لم يدّعِ الحكمة، فصار رمزها، لأنه اعترف بحدوده. وجلال الدين الرومي لم يكثر الشرح، لأنه أدرك أن النور لا يحتاج إلى تفسير، بل إلى عينٍ صافية. حتى محمود درويش، بسخريته الهادئة، كان يلمح أن أكثر ما يُرهق الإنسان أن يشرح نفسه طويلًا، وأن أبسط أشكال النجاة أن يكون كما هو، بلا دفاع.

رأيت الصدق يعمل في قصة حديثة، بلا مسرح ولا تصفيق. شاب يعمل في متجر صغير، أخطأ زبون فأعطاه مالًا زائدًا. أعاده الشاب فورًا، معتذرًا عن “الزيادة”. لم يكن مشهدًا أخلاقيًا، بل تصرّفًا عاديًا عند إنسان عظيم من الداخل. بعد أيام عاد الزبون، ثم عاد مرة أخرى، ثم فتح للشاب باب رزق أوسع. لم يكن الصدق صفقة، بل تصرّفًا خفيًا، تُكافأه الحياة.

في الصدق سخرية جميلة من هذا العصر. الصادق لا يحتاج أن يبدو ذكيًا، ولا أن ينتصر في كل حوار، ولا أن يخرج بصورة كاملة في كل مرة. يكتفي بأن يكون حقيقيًا، وهذه رفاهية لا يقدر عليها الجميع. المجتمع يتنفس أفضل حين يقلّ التمثيل، وحين لا يُجبر الناس على ارتداء وجوه إضافية قبل الخروج.

تعظيم الأخلاق لا يكون بالضجيج، بل بالثبات. الصدق شهادة غير منطوقة بأن الحياة أجمل لمن يصدق، وأن الأفعال الصافية تصنع الأمن الداخلي والراحة، ويُرى أثرها في الطمأنينة التي تسبق الكلام.

وفي النهاية، لا ينجو الأذكى، ولا الأعلى صوتًا، ولا الأكثر تفسيرًا لنفسه. ينجو من كان بسيطًا بما يكفي ليصدق، وثابتًا بما يكفي لئلا يتلوّن. الصادق لا يربح العالم، لكنه لا يخسر نفسه، ومن لم يخسر نفسه كان في حماية الحياة، وإن تأخر الفرح، وإن التبس الطريق.

ويبقى الأمان الحقيقي حين تسقط الأقنعة، والنجاة الوحيدة التي لا تحتاج دليلاً.

 

 

ابتسم الآن … فأنا أكتب من أجلك … ولأضيء..!

 

 

الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

 

[email protected]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى