مقالات

قالت نملة…!!

"حين تكون الرحمة أذكى من القوة، ويكون التحذير الصغير سبب النجاة الكبرى."

 

 

 

✒️ -راضي غربي العنزي – كاتب سعودي

 

﴿حَتّى إِذا أَتَوا عَلى وادِ النَّملِ قالَت نَملَةٌ يا أَيُّهَا النَّملُ ادخُلوا مَساكِنَكُم لا يَحطِمَنَّكُم سُلَيمانُ وَجُنودُهُ وَهُم لا يَشعُرونَ﴾ [النمل: ١٨]

ليست الآية حكاية كائنٍ صغير خائف، بل بيانًا ربانيًا مكتنزًا بالحكمة، يمرّ علينا في ثوب البساطة، بينما يحمل في جوفه دستورًا كاملًا للحياة. نملة واحدة، بلا منصب، بلا صوتٍ جهوري، بلا جيش، امتلكت ما لم تمتلكه جيوش كثيرة: الوعي، والرحمة، وحسن الظن. لم تتهم، لم تصرخ باتهامٍ أو لعنة، بل قالت: وهم لا يشعرون. هنا تتجلى عظمة الله جلّ جلاله، الذي يعلّم خلقه بالحكمة من أفواه الضعفاء، ويجعل من الصغار منابر للتوحيد والفهم.

الله سبحانه، الكامل في أسمائه، العظيم في صفاته، العادل في حكمه، لم يذكر النملة عبثًا، ولم يخلّد قولها مصادفة. إنما أراد أن يقول لنا: إن النجاة ليست دائمًا في القوة، ولا السلامة في الصراخ، بل في الفطنة، وفي خطابٍ يُنقذ دون أن يُدين، ويُحذّر دون أن يُجرّح. سبحان الله الذي لا يظلم مثقال ذرة، والذي وسعت رحمته كل شيء، والذي يعلّمنا أن الرحمة ليست ضعفًا، بل أعلى مراتب العقل.

وسليمان عليه السلام، نبيٌّ ملك، لم يكن طاغية قوة، بل كان عبدًا موحدًا، يعلم أن ما لديه من سلطان هو من الله وحده، كما قال تعالى: ﴿قالَ رَبِّ أَوزِعني أَن أَشكُرَ نِعمَتَكَ الَّتي أَنعَمتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَن أَعمَلَ صالِحًا تَرضاهُ﴾ [النمل: ١٩]. هكذا يربط القرآن دائمًا القوة بالشكر، والعظمة بالتواضع، والتمكين بتوحيد الله وتنزيهه عن كل نقص.

في زمننا هذا، نحن أحوج ما نكون إلى “نملة” واعية. نملة في العمل، في الأسرة، في المجتمع، تقول للناس: انتبهوا… ادخلوا مساكن الحكمة قبل أن تطحنكم عجلة التسرع. كم من إنسانٍ تحطّم لا لأن أحدًا أراد تحطيمه، بل لأن الآخر لم يشعر. وكم من أذى وقع باسم النية الحسنة، وكم من خراب سببه غياب الوعي لا غياب الأخلاق.

الفيلسوف سقراط، وهو يشرب كأس السم، كان يقول إن الحكمة ليست في معرفة كل شيء، بل في إدراك حدود الجهل. هذه النملة أدركت حدود الخطر وحدود النية، فنجّت قومها دون أن تزرع كراهية. وأرسطو حين تحدث عن الفضيلة قال إنها وسطٌ بين رذيلتين؛ لا إفراط ولا تفريط. والنملة كانت في الوسط تمامًا: لم تهوّل، ولم تستهِن. أما الغزالي، فقد قرر أن العقل إن لم يُهذّب بالإيمان انقلب دهاءً، وهنا يظهر التوحيد الخالص، حيث يُنسب الفعل لله، ويُنزه عن الظلم، ويُحسن الظن بخلقه.

قال رسول الله ﷺ:

«الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» رواه الترمذي.

والرحمة هنا ليست عاطفة رخوة، بل وعيٌ عميق، وسلوكٌ منضبط، وكلمة في وقتها. النملة رحمت قومها بالتحذير، ورحمت سليمان بالعدل في الظن، فصارت آيتها تُتلى إلى يوم الدين.

 

قصة حديثة لرجلٍ يعمل في شركة كبرى، لاحظ خطأً بسيطًا في نظامٍ تقني قد يتسبب بخسائر فادحة. لم يفضح زميله، ولم يصنع بطولة وهمية، بل أرسل تنبيهًا هادئًا: “ربما لا تشعرون، لكن هذا الخلل قد يضرّ بالجميع”. تم الإصلاح، ونجت الشركة، وبقيت القلوب سليمة. قال لاحقًا: تعلمت أن النجاة لا تحتاج ضجيجًا، بل بصيرة. تلك نملة العصر، تمشي بيننا ولا ننتبه.

الله سبحانه، الواحد الأحد، القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، يحفظ عباده بطرق لا تخطر على البال. مرة بآية، مرة بحكمة، مرة بكلمة صادقة، ومرة بنملة. وكلما ازداد الإنسان توحيدًا، ازداد فهمًا لسنن الله في الحياة. لا شيء يحدث عبثًا، ولا شيء يُذكر في كتاب الله سدى. كل حرف نور، وكل قصة ميزان.

هذه الآية ليست عن نملة فقط، بل عن مجتمعٍ ينجو لأنه استمع لصوت الحكمة، وعن قائدٍ عادل لا يُتهم بالظلم، وعن إلهٍ عظيم، منزّه، رحيم، لطيف بعباده، يُعلّمهم كيف يعيشون دون أن يتحطموا. هي دعوة لأن نكون رحماء أذكياء، لا قساة متسرعين، وأن نُحسن الظن بالله أولًا، ثم بخلقه.

 

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

[email protected]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى