مقالات

إبراهيم نجار.. سيرة قائد كشفي صاغ القيادة بالإنسان قبل المنصب

 

في مسيرة العمل الكشفي بالمملكة العربية السعودية تبرز أسماء صنعت الفارق، وأسهمت في ترسيخ مفاهيم القيادة التربوية والإنسانية، ويأتي في مقدمتها القائد الكشفي إبراهيم محمد إبراهيم نجار، أحد الرموز التي ارتبط اسمها بالعطاء المستمر، والعمل الميداني المؤثر، والرؤية التطويرية التي لم تتوقف عند حدود الزمن أو المكان، بل امتدت لتلامس الأجيال وتصنع فيهم روح الانتماء والمسؤولية.
منذ التحاقه بالحركة الكشفية عام 1394هـ، لم يكن حضوره عابراً، بل كان بداية لمسيرة متنامية من الالتزام والشغف، حيث تشرب القيم الكشفية في سن مبكرة، فصاغت شخصيته القيادية، ورسخت فيه مفاهيم البذل والعمل الجماعي والانضباط، حتى أصبح نموذجاً يُحتذى في الميدان التربوي والكشفي على حد سواء.
وفي مسيرته التي امتدت لعقود، تقلد نجار عدداً من المسؤوليات القيادية، من أبرزها رئاسته للنشاط الكشفي في الإدارة العامة للتعليم بمنطقة مكة المكرمة، حيث أسهم في تطوير البرامج الكشفية وتعزيز حضورها التربوي داخل البيئة التعليمية، إيماناً منه بأن الكشفية ليست نشاطاً مكملاً، بل هي مدرسة متكاملة لبناء الشخصية وصناعة القادة.
ولم تقتصر أدواره على الجانب الإداري، بل كان حاضراً في قلب الميدان، خاصة في معسكرات الخدمة العامة التي تنظمها جمعية الكشافة العربية السعودية في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة خلال موسم الحج، حيث تولى مسؤولية شؤون المجموعات لعدة أعوام، وأسهم في توثيق العلاقة بين جمعية الكشافة والجهات العاملة في الحج، مقدماً نموذجاً فريداً في التكامل والعمل المؤسسي، ومؤكداً أن القائد الحقيقي هو من يجمع بين التخطيط والتنفيذ، وبين الرؤية والعمل.
كما تولى قيادة مخيم صقر العروبة الكشفي بالطائف عام 1429هـ، وقاد لجان التدريب الكشفي المستمر بمنطقة مكة المكرمة خلال الفترة من 1422هـ إلى 1428هـ، واضعاً بصمته في إعداد وتأهيل القيادات الكشفية، ومؤكداً أن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان، وأن القائد الناجح هو من يصنع قادة آخرين، لا من يكتفي بقيادة نفسه.
وقد نال شارة قادة التدريب عام 1418هـ، وهي إحدى المحطات المفصلية في مسيرته، التي مكنته من نقل خبراته المتراكمة إلى الأجيال الجديدة من القيادات الكشفية، بأسلوب يجمع بين الحزم التربوي والاحتواء الإنساني، وهو ما انعكس على مخرجات العمل الكشفي في المنطقة، وأسهم في رفع مستوى الأداء والاحترافية.
ولم يكن حضوره محلياً فحسب، بل مثّل المملكة في عدد من المحافل، حيث نقل التجربة السعودية، وعكس صورة مشرفة عن العمل الكشفي الوطني، مؤكداً أن الكشافة لغة عالمية تتجاوز الحدود، وتجمعها قيم مشتركة من السلام والتطوع والخدمة.
وفي تقدير مستحق لمسيرته، منحته جمعية الكشافة العربية السعودية الوسام الذهبي، وهو أعلى وسام كشفي تمنحه الجمعية، وذلك خلال الحفل الوطني الثالث للتكريم الكشفي بالقصيم عام 1429هـ، ليكون هذا التكريم تتويجاً لعطاء طويل، وشهادة على أثره العميق في الميدان.
ويمتاز القائد إبراهيم نجار بأسلوب قيادي تربوي وإنساني خاص، يجمع بين القرب من الأفراد، والقدرة على تحفيزهم، وبناء الثقة في نفوسهم، فهو يؤمن أن القيادة ليست سلطة، بل مسؤولية، وأن القائد الحقيقي هو من يسبق الآخرين في العطاء، ويحتويهم في المواقف، ويمنحهم الفرصة ليكونوا أفضل.
كما عُرف بحرصه الشديد على التطوير ومواكبة العصر، فلم يكن أسيراً للنمط التقليدي، بل كان منفتحاً على كل جديد، ساعياً إلى تحديث البرامج، وتبني المبادرات التي تعزز من دور الكشفية في خدمة المجتمع، وهو ما جعله من القيادات التي صنعت تحولاً نوعياً في الأداء الكشفي.
إن الحديث عن إبراهيم نجار هو حديث عن نموذج متكامل للقائد الناجح، الذي يجمع بين الفكر التربوي، والبعد الإنساني، والقدرة القيادية، فالقائد التربوي هو من يبني الإنسان قبل أي شيء، ويغرس القيم قبل المهارات، بينما القائد الإنساني هو من يرى في كل فرد قصة تستحق أن تُروى، وفرصة تستحق أن تُمنح، وهذا ما تجسد في مسيرته بكل وضوح.
وفي زمن تتسارع فيه التغيرات، تبقى مثل هذه النماذج شاهدة على أن القيادة الحقيقية لا ترتبط بمنصب، بل تُقاس بالأثر، ولا تُقاس بالإنجازات الآنية، بل بما تتركه من إرث في نفوس الناس، وهو الإرث الذي نجح إبراهيم نجار في ترسيخه، ليبقى اسمه حاضراً في ذاكرة العمل الكشفي، وملهماً لكل من يسير في درب العطاء وخدمة الوطن والإنسان.

مبارك بن عوض الدوسري
@mawdd3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

Notice: ob_end_flush(): Failed to send buffer of zlib output compression (0) in /home/shula/public_html/wp-includes/functions.php on line 5481